القرطبي
72
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط ( 74 ) إن إبراهيم لحليم أوه منيب ( 75 ) يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود ( 76 ) قوله تعالى : ( فلما ذهب عن إبراهيم الروع ) أي الخوف ، يقال : ارتاع من كذا إذا خاف ، قال النابغة : فارتاع من صوت كلاب ( 1 ) فبات له * طوع الشوامت من خوف ومن صرد ( وجاءته البشرى ) أي بإسحق ويعقوب . وقال قتادة : بشروه بأنهم إنما أتوا بالعذاب إلى قوم لوط ، وأنه لا يخاف . ( يجادلنا ) أي يجادل رسلنا ، وأضافه إلى نفسه ، لأنهم نزلوا بأمره . وهذه المجادلة رواها حميد بن هلال عن جندب عن حذيفة ، وذلك أنهم لما قالوا : " إنا مهلكوا أهل هذه القرية ( 2 ) " قال لهم : أرأيتم إن كان فيها خمسون من المسلمين أتهلكونهم ؟ قالوا : لا . قال : فأربعون ؟ قالوا : لا . قال : فثلاثون ؟ قالوا : لا قال : فعشرون ؟ قالوا : لا . قال فإن كان فيها عشرة - أو خمسة شك حميد - قالوا : لا . قال قتادة : نحوا منه ، قال فقال يعنى إبراهيم : قوم ليس فيهم عشرة من المسلمين لا خير فيهم . وقيل إن إبراهيم قال : أرأيتم إن كان فيها رجل مسلم أتهلكونها ؟ قالوا : لا . فقال إبراهيم عند ذلك : " إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين " . وقال عبد الرحمن بن سمرة : كانوا أربعمائة ألف . ابن جريج . وكان في قرى قوم لوط أربعة آلاف ألف . ومذهب الأخفش والكسائي أن " يجادلنا " في موضع " جادلنا " . قال النحاس : لما كان جواب " لما " يجب أن يكون بالماضي جعل المستقبل مكانه ، كما أن الشرط يجب أن يكون بالمستقبل فجعل الماضي مكانه . وفيه جواب آخر - أن يكون " يجادلنا " في موضع الحال ، أي أقبل يجادلنا ، وهذا قول الفراء . ( إن إبراهيم لحليم
--> ( 1 ) الكلاب : صاحب الكلاب . يصف الشاعر ثورا وحشيا بأنه بات من الخوف الذي أدركه ، والبرد الذي أصابه مبيت سوء ، ومبيته على ذلك الحال يسر أعداءه . ( 2 ) راجع ج 13 ص 341 فما بعد .